يواكيم ترير يعود بفيلم “قيمة عاطفية”.. رحلة بين الفقد والحب والذاكرة

ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان الجونة السينمائي، يقدّم المخرج النرويجي يواكيم ترير فيلمه الأحدث “قيمة عاطفية” (Sentimental Value)، الذي يعيد به تأكيد مكانته كأحد أبرز صناع السينما المعاصرة، بعد نجاحه اللافت في فيلم “أسوأ شخص في العالم” عام 2021.
يعود ترير هذه المرة للتعاون مع الممثلة ريناتي رينسف، ليصيغ عملًا إنسانيًا شديد الحساسية، يلامس ثنائية الفقد والحب، ويغوص في عمق الذاكرة العائلية والإنسانية.
علاقة أب وابنته.. تصالح متأخر مع الماضي
تدور أحداث فيلم “قيمة عاطفية” حول الأب غوستاف، مخرج سينمائي في مرحلة تراجع مهني وشخصي، يعود إلى أوسلو ساعيًا لاستعادة أسرته وفنه، ويحاول إقناع ابنته الكبرى نورا، وهي ممثلة مسرح مرموقة، بالظهور في فيلمه الجديد، لكنها ترفض بشدة.
في مفارقة قدرية، يجد نفسه أمام نجمة هوليوودية – تؤدي دورها إيل فانينغ – توافق على المشاركة معه، ما يعيد فتح جروح الماضي ويضع العلاقة بين الأب وابنته على المحك.
الفيلم يبدو بسيطًا في شكله، لكنه عميق في جوهره، إذ يطرح أسئلة عن معنى الفن، وحدود العلاقة بين الإبداع والذاكرة، وتأثير الطموحات الشخصية على الروابط الإنسانية.
سينما الذاكرة.. حين يصبح الصمت لغة
يمتاز الفيلم بمعالجة بصرية راقية، تتقاطع فيها الأزمنة بطريقة تعكس هشاشة الذاكرة البشرية، حيث لا تقدم مشاهد الاسترجاع كفواصل زمنية واضحة، بل كلحظات شعورية تعيش داخل الحاضر.
يعتمد ترير على إيقاع بطيء ومساحات صمت محسوبة بعناية، تتيح للمُشاهد التوغل في العالم النفسي للشخصيات.
يتحول المنزل الذي يحتضن أغلب الأحداث إلى بطلٍ موازٍ، يحمل دفء الذكريات ووجع الفقد في آن واحد، ويعبر بالصمت والفراغ عما تعجز الكلمات عن قوله، ليصبح المكان ذاكرة حية تسرد حكايتها بنفسها.
جاء الأداء في “قيمة عاطفية” أقرب إلى درس في التمثيل، حيث تعتمد الشخصيات على الإيماءات والنظرات أكثر من الحوار، ما يمنح الفيلم صدقًا إنسانيًا نادرًا.
قد نال العمل الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي الدولي 2025، ليؤكد نجاحه كأحد أهم أفلام العام، جامعًا بين العمق النفسي والجمال البصري في تجربة تُعيد تعريف العلاقة بين الفن والذاكرة والإنسان.



