وزير الصناعة: الأراضي ليست للمضاربة.. وطرح «القرية المنتجة» بحق انتفاع 50 عامًا

تسعى وزارة الصناعة إلى تغيير فلسفة التعامل مع الأراضي الصناعية في مصر، عبر تقليص الاعتماد على التملك لصالح أنظمة تتيح للمستثمرين إقامة مشروعاتهم وتشغيلها دون الحاجة إلى شراء الأرض، في مواجهة ما وصفه المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، بسيطرة الثقافة العقارية على قرارات بعض المستثمرين، على حساب التوسع في الإنتاج والتطوير الصناعي.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تتجه فيه الوزارة إلى طرح بدائل جديدة لتوفير الأراضي، من بينها الإيجار المنتهي بالتملك وحق الانتفاع، وصولًا إلى نموذج «القرية المنتجة» الذي تعتزم الحكومة إطلاقه خلال الفترة المقبلة، بأراضٍ كاملة المرافق وحق انتفاع يمتد إلى 50 عامًا.
الصناعة أم الاستثمار العقاري؟
خلال ندوة نظمها مجلس الأعمال المصري الكندي، أوضح هاشم أن نظام حق الانتفاع بالأراضي الصناعية مطبق في مختلف دول العالم، لكن ثقافة التملك لا تزال حاضرة بقوة لدى عدد من المستثمرين في مصر.
وبحسب وزير الصناعة، فإن جوهر المشكلة لا يرتبط بارتفاع أسعار الأراضي بقدر ما يتعلق بطريقة النظر إلى الاستثمار الصناعي، إذ يتعامل بعض المستثمرين مع الأرض باعتبارها أصلًا عقاريًا يمكن أن ترتفع قيمته بمرور الوقت، بدلًا من اعتبارها وسيلة لإقامة نشاط إنتاجي وتحقيق عائد من التصنيع.
وأشار إلى أن بعض المستثمرين يدخلون القطاع الصناعي بمنطق «يا صابت يا خابت»، بحيث يراهنون على نجاح المشروع، مع الاحتفاظ بإمكانية تحقيق مكاسب من الأرض نفسها وبيعها لاحقًا بسعر أعلى إذا تعثر النشاط.
هذا النمط من التفكير، وفقًا لهاشم، لا يساعد على بناء قاعدة إنتاجية قوية، لأنه يربط جدوى الاستثمار بارتفاع قيمة الأصل العقاري، بدلًا من تطوير المنتجات وتحسين العمليات الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة.
فصل ملكية الأرض عن النشاط الصناعي
يرى وزير الصناعة أن تغيير ثقافة الاستثمار يمثل ضرورة لتوجيه رؤوس الأموال نحو التكنولوجيا والتطوير والإنتاج، بدلًا من الانشغال بالمكاسب المحتملة من الاحتفاظ بالأراضي.
وأشار إلى أن المستثمر الراغب في تملك الأراضي يمكنه اللجوء إلى المطور الصناعي، بما يسمح بالفصل بين احتياجات المشروع الإنتاجي ورغبة المستثمر في امتلاك العقار.
وتعكس هذه الرؤية توجهًا نحو إتاحة الأراضي باعتبارها عنصرًا من عناصر العملية الإنتاجية، وليس بالضرورة أصلًا يتعين على المستثمر امتلاكه حتى يتمكن من بدء نشاطه، بما يتيح توجيه الموارد المتاحة إلى إقامة المصانع وتطوير قدراتها التشغيلية.
تيسير إقامة المصانع
أكد هاشم أن الوزارة طرحت أكثر من آلية لتيسير حصول المستثمرين على الأراضي الصناعية، تشمل نظام الإيجار المنتهي بالتملك وحق الانتفاع، بهدف توفير خيارات تتناسب مع طبيعة المشروعات واحتياجاتها المختلفة.
وشدد على أن الغرض من إتاحة الأراضي هو دعم إقامة المشروعات وزيادة الإنتاج، موضحًا أن الصناعة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وبذلك، لا يقتصر التوجه المطروح على تغيير طريقة تخصيص الأراضي، بل يمتد إلى إعادة تحديد الهدف من إتاحتها، بحيث يرتبط الانتفاع بها بقدرة الاستثمار على خلق نشاط إنتاجي، وليس فقط بامتلاك أصل يمكن إعادة بيعه وتحقيق مكاسب من ارتفاع قيمته.
من الأراضي منخفضة التكلفة إلى الحوافز المرتبطة بالإنتاج
استعاد وزير الصناعة تجربة إنشاء مناطق صناعية مثل السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان، مشيرًا إلى أن توفير الأراضي منخفضة التكلفة والإعفاءات طويلة الأجل كان من العوامل التي ساهمت في إقامة هذه المناطق.
لكنه أوضح أن توجهات الاستثمار الصناعي تغيرت، كما أن الاتجاه العالمي لم يعد يعتمد على الإعفاءات بالشكل الذي كان سائدًا في السابق، مع تأكيده أن الوزارة لا تمانع تقديم حوافز مرتبطة بالأراضي الصناعية عندما تستدعي الحاجة ذلك.
ويشير هذا الطرح إلى محاولة الموازنة بين توفير التيسيرات اللازمة لجذب الاستثمار، وبين عدم تحويل الأراضي والحوافز إلى غاية مستقلة عن النشاط الصناعي، بما يجعل معيار الاستفادة منها مرتبطًا بالهدف الإنتاجي الذي خُصصت من أجله.
«القرية المنتجة»
في خطوة تستهدف توسيع بدائل الاستثمار، كشف هاشم عن اعتزام الحكومة طرح نموذج «القرية المنتجة» خلال الفترة المقبلة، من خلال تخصيص أراضٍ كاملة المرافق بنظام حق الانتفاع لمدة 50 عامًا.
ويتيح النموذج للمستثمرين الاستفادة من الأراضي في إقامة الأنشطة المستهدفة دون اشتراط تملكها، بما يفتح مسارًا مختلفًا لإقامة المشروعات يعتمد على إتاحة الأرض للاستخدام طويل الأجل بدلًا من نقل ملكيتها إلى المستثمر.



