اقتصاد وشركات

خريطة أسعار الفائدة عالميًا.. كيف تحركت البنوك المركزية بين التشديد والتثبيت؟

تباينت توجهات البنوك المركزية الكبرى والخليجية في اجتماعات السياسة النقدية الأخيرة، بين مؤسسات اتجهت إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية، وأخرى فضلت الإبقاء عليها دون تغيير انتظارًا لمزيد من البيانات الاقتصادية، في وقت تترقب فيه الأسواق قرارات جديدة قد تحدد مسار السياسة النقدية خلال الفترة المتبقية من عام 2026.

this is aad

وتعكس هذه التحركات اختلاف الظروف الاقتصادية من دولة إلى أخرى، خاصة مع استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة، وتفاوت مستويات التضخم، وعدم وضوح اتجاهات النمو، وهو ما جعل قرارات الفائدة محور اهتمام المستثمرين والأسواق المالية.

وفي هذا السياق، شهدت الفترة الممتدة من نهاية أكتوبر وحتى مطلع نوفمبر تحركات لعدد من البنوك المركزية، شملت مصر وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والولايات المتحدة ومنطقة اليورو وتايلاند، إلى جانب عدد من دول الخليج.

أستراليا ترفع الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 18 عامًا

اتجه البنك المركزي الأسترالي إلى تشديد السياسة النقدية، بعدما رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 4.85%، وهو أعلى مستوى يسجله منذ 18 عامًا، والخامس منذ بداية العام.

ورغم الزيادة، فإن التصويت داخل مجلس إدارة البنك كشف عن انقسام بشأن القرار، بعدما أيده 6 أعضاء مقابل معارضة 3، وهو ما عزز التوقعات باقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.

كما حذف البنك من بيانه إشارة صريحة إلى احتمالية إجراء زيادات إضافية في أسعار الفائدة إذا اقتضت الحاجة، مع تأكيده مواصلة اتخاذ الإجراءات الضرورية لإعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.

مصر ترفع الفائدة 1% لأول مرة منذ عامين ونصف

على الصعيد المحلي، اتجه البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار العائد الأساسية بنسبة 1%، في أول زيادة منذ نحو عامين ونصف، بعدما كان آخر قرار برفع الفائدة قد صدر في اجتماع استثنائي يوم 6 مارس 2024، وشهد زيادة قدرها 6% دفعة واحدة بالتزامن مع تحرير سعر الصرف.

وبررت لجنة السياسة النقدية القرار بوجود بيئة خارجية غير مواتية وتصاعد حالة عدم اليقين، مؤكدة أن التحرك يستهدف ترسيخ التوقعات والحفاظ على المسار النزولي للتضخم.

وبموجب القرار، ارتفع سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%، وسعر الإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 20.5%، كما زاد سعر الائتمان والخصم إلى 20.5%.

نيوزيلندا تخالف توقعات الأسواق وتثبت الفائدة

في المقابل، خالف البنك المركزي النيوزيلندي توقعات غالبية الاقتصاديين، وقرر الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.75% دون تغيير، رغم ترجيحات كانت تشير إلى إمكانية رفعها بمقدار ربع نقطة مئوية.

ويعكس القرار توجهًا أكثر حذرًا في التعامل مع السياسة النقدية، في ظل اختلاف تقديرات الأسواق بشأن الخطوة المقبلة للبنك.

كندا تعود إلى رفع الفائدة بعد توقف منذ 2023

عاد بنك كندا إلى تشديد السياسة النقدية، بعدما رفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.5%، في أول زيادة منذ يوليو 2023.

وأشار البنك إلى أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية أوسع، بما قد يستدعي مزيدًا من التشديد النقدي لمنع انتقال هذه الزيادات إلى بقية أسعار السلع والخدمات.

وجاء القرار متوافقًا مع توقعات الأسواق، بالتزامن مع تعديل تقديرات البنك للتضخم خلال عام 2027 بالزيادة إلى 3.1% بدلًا من 2% في توقعاته الصادرة خلال يوليو الماضي.

كما رفع البنك تقديراته لنمو الاقتصاد الكندي خلال العام الحالي إلى 1%، مقارنة بتوقع سابق بلغ 0.7%.

الفيدرالي الأمريكي يفضل التثبيت وسط ترقب التضخم

على الجانب الآخر، قرر مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وفقًا للتوقعات، مع تأجيل أي تحرك جديد بشأن تكاليف الاقتراض لحين ظهور مزيد من البيانات المتعلقة بمسار التضخم.

وصدر القرار بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين، ليستقر النطاق المستهدف لسعر الفائدة القياسي بين 3.75% و4%.

وأكد البنك أن التضخم لا يزال مرتفعًا، لكنه رفع تقييمه لأداء الاقتصاد، في الوقت الذي أشار فيه إلى احتمالية اتخاذ قرارات جديدة بشأن الفائدة وفقًا للتطورات الاقتصادية ومستجدات الأسعار.

المركزي الأوروبي يثبت الفائدة ويحذر من ضغوط الطاقة

أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنه حذر من تزايد مخاطر التضخم نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة.

وتأتي هذه المخاوف في ظل تداعيات حرب إيران على أسعار الطاقة، بعدما رفع البنك الفائدة مرتين خلال العام الحالي في محاولة لمنع انتقال الزيادات إلى مستويات التضخم العامة وترسخها داخل الاقتصاد.

ورغم عدم استعجال البنك اتخاذ قرارات جديدة في الوقت الحالي، فإنه لم يستبعد إمكانية رفع أسعار الفائدة مستقبلًا، خاصة إذا ظهرت مؤشرات على امتداد الضغوط التضخمية إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد.

تايلاند تثبت الفائدة للمرة الرابعة

واصل البنك المركزي التايلاندي تثبيت أسعار الفائدة للمرة الرابعة على التوالي، بعدما صوتت لجنة السياسة النقدية بالإجماع على الإبقاء على سعر إعادة الشراء لأجل يوم واحد عند 1%.

وجاء القرار متوافقًا مع توقعات جميع الاقتصاديين الـ26 الذين شملهم استطلاع أجرته «رويترز»، فيما رجح معظمهم استمرار الفائدة عند المستوى نفسه حتى نهاية عام 2027.

وكان البنك قد خفض أسعار الفائدة ست مرات بإجمالي 150 نقطة أساس خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى فبراير 2026، في إطار مساعيه لدعم اقتصاد البلاد، الذي يواجه ضعف الطلب المحلي وارتفاع ديون الأسر.

البنوك الخليجية تواصل تثبيت أسعار الفائدة

امتدت سياسة التثبيت إلى عدد من البنوك المركزية الخليجية خلال أكتوبر الماضي، عقب قرارات مماثلة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ففي الإمارات، قرر المصرف المركزي الإبقاء على سعر الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.65% و3.9% اعتبارًا من الخميس.

كما ثبت مصرف البحرين المركزي سعر الفائدة على ودائع الليلة الواحدة عند 4.50% دون تغيير.

وفي قطر، أبقى مصرف قطر المركزي أسعار الفائدة الرئيسية عند مستوياتها الحالية، بعد تقييم السياسة النقدية، حيث استقر سعر فائدة الإيداع عند 4.10%، وسعر فائدة الإقراض عند 4.60%، بينما ظل سعر إعادة الشراء عند 4.35%.

التضخم والطاقة يرسمان اتجاه السياسة النقدية

تكشف قرارات البنوك المركزية خلال الفترة الأخيرة عن تباين واضح في التعامل مع الضغوط الاقتصادية؛ فبينما اختارت أستراليا وكندا ومصر رفع أسعار الفائدة، فضلت مؤسسات أخرى، من بينها الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي ونيوزيلندا وتايلاند والبنوك الخليجية، الإبقاء على مستوياتها الحالية.

ويظل التضخم، وخاصة الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة، أحد أبرز العوامل المؤثرة في حسابات صناع السياسة النقدية، إلى جانب أوضاع النمو والطلب المحلي.

وبالتالي، فإن اتجاه أسعار الفائدة خلال الفترة المتبقية من 2026 سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصادات على احتواء الضغوط السعرية، ومدى ظهور مؤشرات تسمح للبنوك المركزية بالانتقال من التشديد النقدي إلى التثبيت أو خفض تكلفة الاقتراض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى